أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
265
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يكون مصدرا في الأصل ، قال تعالى : فَلا صَرِيخَ لَهُمْ « 1 » فهذا يحتمل أن يكون مصدرا ، وأن يكون « فعيلا » بمعنى « المفعل » ، أي : فلا مصرخ لهم ، أي : ناصر ، وتصرّخ تكلّف الصّراخ . قوله : بِما أَشْرَكْتُمُونِ يجوز في « ما » وجهان ؛ أحدهما : أن يكون بمعنى الذي ، ثم في المراد بهذا الموصول وجهان : أحدهما : أنه الأصنام ، تقديره : بالصّنم الذي أطعتموني ، كما أطعتموه ، كذا قال أبو البقاء ، والعائد محذوف ، فقدّره أبو البقاء : بما أشركتموني به ، ثم حذف ، يعني بعد حذف الجار ، ووصول الفعل إليه ، ولا حاجة إلى تقديره مجرورا بالباء ، لأنّ هذا الفعل متعد لواحد ، نحو : « شركت زيدا » فلما دخلت همزة النقل أكسبته ثانيا ، هو العائد ، تقول : أشركت زيدا عمرا جعلته شريكا له . الثاني : أنه الباري تعالى ، أي : بما أشركتموني ، أي : باللّه تعالى ، والكلام في العائد - ، كما تقدم - ، إلا أنّ فيه إيقاع « ما » على من يعلم ، والمشهور فيها أنها لغير العاقل . قال الزمخشري : « ونحو « ما » هذه « ما » في قولهم : « سبحان ما سخّركنّ لنا » ومعنى اشراكهم للشيطان باللّه تعالى طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان . قال الشيخ « 2 » : ومن منع ذلك جعل سبحان علما للتسبيح ، كما جعل برّة علما للمبرّة ، و « ما » مصدرية ظرفية أي : فيكون على حذف مضاف ، أي سبحان تسخيركن ، لأنّ التسبيح لا يليق إلا باللّه . الثاني - من الوجهين الأولين - : أنها مصدرية أي : بإشراككم إياي . قوله : « مِنْ قَبْلُ » متعلق ب « كَفَرْتُ » على القول الأول ، أي : كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه ، وهو اللّه تعالى ، وب « أشركت » على الثاني . أي : كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم ، أي : في الدنيا كقوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ « 3 » ، هذا قول الزمخشري وأما أبو البقاء ، فإنه جوّز تعلقه ب « كَفَرْتُ » وب « أشركتموني » من غير ترتيب على كون « ما » مصدرية ، أو موصولة ، فقال : و « مِنْ قَبْلُ » متعلق ب « أشركتموني » ، أي كفرت الآن بما أشركتموني » وصلا وحذفها وقفا ، وحذفها الباقون وصلا ووقفا ، وهنا تم كلام الشيطان . قوله : إِنَّ الظَّالِمِينَ من كلام اللّه تعالى ، ويجوز أن يكون من كلام الشيطان و « عَذابٌ » يجوز رفعه بالجار قبله على أنه الخبر ، وعلى الابتداء ، وخبره الجار . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 23 إلى 26 ] وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ( 23 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 )
--> ( 1 ) سورة يس آية ، ( 43 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 420 ) . ( 3 ) سورة فاطر آية ، ( 14 ) .